
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله، أما بعد:
صِفَةُ النَّبِيِّ الْخَلْقِيَّةِ وَالْخُلُقُيَّةِ وَرُؤْيَتُهُ فِي الْمَنَامِ
بِسْـمِ ٱللَّـٰهِ ٱلرَّحْمٰنِ ٱلرَّحِيمِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى سَيِّدِنا وَحَبِيبِنَا وَعَظِيمِنَا وَقُرَّةِ أَعْيُنِنَا أَحْمَدَ مَنْ بَعَثَهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِيْنَ هَادِيًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إلَِى اللَّهِ بِإِذنِهِ سِرَاجًا وَهَّاجًا وَقَمَرًا مُنِيْرًا، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي القُرءَانِ الكَرِيْمِ (فٱلَّذِينَ ءَامَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (سُورَةَ الأَعْرَافِ 157).
رَوَى البُخَارِيُّ مِن حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عنهَا فِي وَصْفِ رُسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَّنَّهَا قالَتْ (كَانَ خُلُقَهُ القُرْءَانُ) أَيْ مَنْ أَرَادَ أَن يَعرِفَ خُلُقَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فَلْيَقْرَإِ القُرْءَانَ وَلْيَفْهَمْهُ، فَكُلُّ خَصلَةِ خَيْرٍ أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّه فِي القُرءَانِ بِالتَّخَلُّقِ بِهَا فَهِيَ مِنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ.
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّه عَنْهَا أَيضًا عِندَمَا سُئِلَتْ عَن خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قالت (لَمْ يكُنْ فَاحِشًا مُفَتحِّشًا، وَلا سَخَّابًا فِي الأَسْوَاقِ، وَلا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ).
أَمَّا صِفَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ (أّنَّهُ كَانَ رَبْعَةً، لَمْ يَكُنْ قَصِيْرًا، بَلْ هُوَ إِلَى الطُّولِ أَقْرَبُ، وَكَانَ بَعِيدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ، وَكَانَ أَبْيَضَ مُشْرَبًا بِحُمْرةٍ، كَانَ مُشْرِقَ الوَجْهِ).
فَقَدْ رَوَى البَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بنِ يَاسِرٍ قَالَ قُلْتُ لِلرَّبِيعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍٍ صِفِي لِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ (لَوْ رَأَيْتَهُ لَقُلْتَ الشَّمْسُ طَالِعَةٌ).
وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ دَقِيقَ الْحَاجِبَيْنِ لَم يَكُنْ غَلِيظَهُمَا وَكَانَ وَاسِعَ العَيْنَيْنِ، وَكَانَ أَهْدَبَ الأَشْفَارِ، أَيْ كَثِيْرَ شَعَرِ الْجُفُونِ، وَلَم يَكُن نَحِيفَ الكَفِّ، وَلا نَحِيفَ القَدَمَيْنِ، وَكَانَ طَوِيلَ الذِّرَاعِ، وَكَانَ سَواءَ البَطْنِ وَالصَّدْرِ، وَكَانَ صَوْتُهُ جَهِيرًا، لَمْ يَكُن ضَعِيفَ الصَّوْتِ، وَكَانَ أَشْكَلَ العَيْنَيْنِ أَيْ فِي بَيَاضِِهِ خُطُوطٌ حُمْرٌ، يَقُولُ وَاصِفُه وَهُوَ أَبُو هُرَيرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (مَا رَأَيْتُ قَبْلَهُ وَلا بَعْدَهُ مِثْلَهُ) أَيْ فِي حُسْنِ الْخِلْقَةِ.
وَكَانَ مِنْ شَأْنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَنّهُ تَطَيَّبَ وَإِنْ لَمْ يَتَطَيَّبْ طَيِّبَ الرَّائِحَةِ، كَانَ صحَابِيٌّ اسْمُهُ عُقْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ قَدْ أَصَابَهُ الشِّرَى وَهُوَ وَرَمٌ كَالدِّرْهَمِ، حُكََاكٌ مُزْعِجٌ، يُحْدِثٌ كَرْبًا وإِزْعَاجًا شَدِيدًا لِصَاحِبِه، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ (تَجَرَّدْ) أَيْ جَرِّدْ ظَهْرَكَ مِنْ ثَوْبِكَ، فَجَرَّد ثَوْبَهُ، فَوَضَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ عَلَيْهِ، فَعَبَقَ الطِّيْبُ بِهِ بَعدَ ذَلِكَ إِلَى ءَاخِرِ حَيَاتِهِ.
وَرَوَى البُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ (مَنْ رَءَانِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَأَى الْحَقَّ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لا يَتَزَيَّا بِي)، أَيْ مَن رَأَى صُورتَهُ الأَصْلِيَّةَ فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَأَى خَاتَمَ النَّبِيِّيْنَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، وَذَلِكَ لأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَم يُعْطِ الشَّيْطَانَ الْقُدْرَةَ عَلَى أَنْ يَتَشَكَّلَ بِصُورَةِ سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، فَإِذًا يَجُوزُ أَنْ يُرَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَنَامِ عَلَى الصُّورَةِ الأَصْلِيَّةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا لَكُمْ، وَلْيُعْلَمْ أَيْضًا أَنَّ مَنْ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَنَامِ فَذَلِكَ بُشْرَى لَهُ بِأَنَّهُ يَمُوتَ عَلَى الإِيْمَانِ.
نَعَمْ أَحْبَابَنَا، فَالوَعْدُ الَّذِي وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ (فَسَيَرَانِي فِي اليَقَظَةِ) فَإِنَّهُ يُرَادُ بِهِ الرُّؤْيَةُ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ الْمَوْتِ.
نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَرْزُقَنا رُؤْيَتَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَنَامِ عَلَى صُورَتِهِ الأَصْلِيَّةِ هَذِهِ اللَّيلَةَ وَكُلَّ لَيْلةٍَ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ.